الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعض المفسرين ، واستقربه الطيبي ، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى اللّه تعالى . ولعل احتماله للمعنيين مقصود . وقد تجيء الآيات محتملة عدّة معان . واحتمالها مقصود تكثيرا لمعاني القرآن ، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة . وأياما كان فموقع ( إنّ ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها . وهي إما تعليل لإسناد فعل لِنُرِيَهُ إلى فاعله ؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله ، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة ، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها . والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أوقع ، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل اللّه تعالى لأنه محقق معلوم . وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله . على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصرا مؤكدا ، وهو قصر موصوف على صفة قصرا إضافيا للقلب ، أي هو المدرك لما سمعه وأبصره لا الكاذب ولا المتوهم كما زعم المشركون . وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأنه المناسب للرد . ولا ينازع المشركون في أن اللّه سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المسمع والمبصر لرسوله الذي كذبتموه ، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم . ثم إن الصفتين على تقدير كونهما للنبي صلى اللّه عليه وسلّم هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة ، على حد قوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] ، وقوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى [ النجم : 12 ] . وأما على تقدير كونهما صفتين للّه تعالى فالمناسب أن تؤولا بمعنى المسمع المبصر ، أي القادر على إسماع عبده وإبصاره ، كما في قول عمرو بن معد يكرب : أمن ريحانة الداعي السميع أي المسمع . وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى بيت المقدس